ربيع القلوب في كيرالا: ملحمة العشق النبوي وتجليات التعايش الإنساني

ربيع القلوب في كيرالا: ملحمة العشق النبوي وتجليات التعايش الإنساني
#عبدالله الثقافي الهندي
تتفرّد ولاية كيرالا الهندية باحتفالات المولد النبوي الشريف، حيث تتسع رقعتها وتتكامل مظاهرها لترسم لوحةً تعبيريةً آسرة عن عمق المحبة والابتهاج بميلاد النبي الأكرم ﷺ. وقبل إهلال شهر ربيع الأول بمدّة مديدة، تسري أنوار المولد في الأرجاء؛ فتُعقد المجالس في البيوت، وتلتئم الحلقات الجامعة في سائر النواحي، بينما تشهد الصروح التعليمية والمساجد والكليات محافل مهيبة يتقاطر إليها الآلاف.
ومن أبهى هذه المشاهد "المولد الأكبر" الذي ينعقد تحت رعاية سماحة مفتي الديار الهندية الشيخ أبو بكر أحمد؛ إذ تجتمع فيه حشود غفيرة تُقدَّر بعشرات الآلاف من المحبين، تتقاطر جنباً إلى جنب مع وفود وشخصيات وافدة من شتى أقطار العالم ومن مختلف الولايات الهندية، فضلاً عن ممثلين لمختلف أطياف المجتمع. وتتخلل هذه التجمعات معارض تزدان بالآثار النبوية الشريفة، وفقرات شجية من المدائح والأناشيد والموالد التي تستمر أياماً متتابعة، وسط فيوضات إيمانية غامرة بنور الذكرى المحمدية.
وفي رحاب جامعة "مركز الثقافة السنية"، تُقام مجالس حاشدة يحييها أكثر من ألف طالب، وتتواصل برامجها وفعالياتها إلى غاية اليوم الثاني عشر من ربيع الأول، ليغدو هذا الشهر موسماً فياضاً بالأنشطة الدينية والفكرية. ومع إشراقة الثاني عشر منه، تتوشح الطرقات والأسواق بحلل الزينة البهيجة، وتنطلق مواكب طلبة المدارس الدينية، وتنتظم المسيرات الشعبية الكبرى الحاملة للافتات والبطاقات الناطقة بهدي النبي ﷺ ورسالته السامية، مع خفقان الرايات وبسط الموائد لإطعام الجميع.
ويُمثّل إطعام الطعام باسم النبي المصطفى ﷺ وإتاحته لكافة فئات المجتمع دونما تمييز أبهى تجليات التآخي والوئام الديني في كيرالا؛ إذ تتحول موائد الضيافة إلى ملتقى جامع يلتفّ حوله الناس من مختلف المشارب والخلفيات، مُجسّدين أسمى معاني التلاحم الإنساني. وتضطلع المؤسسات والهيئات الدينية الرائدة في الولاية بزمام تنظيم هذه الفعاليات وتوجيهها، وهي احتفالات تحظى بظهير شعبي وقبول واسع، بينما يبقى صوت القلّة المعارضة خافتاً ومحدوداً لا يلقى صدىً يُذكر أمام هذا الهدير الجماهيري العارم.
أما في تراث القراءة والإنشاد، فيتصدر كتاب "منقوص مولود" للإمام زين الدين المخدوم، ومعه "شرف الأنام" و"جعل محمد" وقصيدة "البردة" للإمام البوصيري، قائمة النصوص الأكثر تداولاً وتلاوة؛ حيث تُعقد مجالس "البردة" وتُرتل القصائد بأنغام جماعية رخيمة أضحت من العلامات الفارقة للمولد في كيرالا. كما تنال قصائد ومدائح "كوندور أستاذ" —أحد كبار العارفين بالله في المنطقة— منزلةً أثيرة في وجدان الناس، لما تنبض به من تدفق عاطفي في وصف الشمائل النبوية والمحبة الصادقة.
ولا تقف المظاهر عند حدود التلاوة وإحياء الذكرى، بل تمتد لتشمل التعريف الشامل بالرسالة النبوية عبر المؤتمرات العلمية والمحاضرات الفكرية، وعقد المجالس الدولية، واستقطاب فرق المديح والإنشاد من مختلف بقاع الأرض؛ ليكون ربيع الأول في كيرالا موسماً متكاملاً للمحبة والذكر ونشر السيرة العطرة، ومنطلقاً لترسيخ القيم الإنسانية النبيلة وتجديد العهد مع الرسالة الخالدة
#البلنوري #صوت الهند








