الجعرانة.. محطة تاريخية خالدة في السيرة النبوية بين غزوة حنين وعمرة الرسول ﷺ

بقلم:عبد الله الثقافي البلنوري الهندي
تُعدُّ الجعرانة من المواضع المباركة التي ارتبطت بأحداث عظيمة في السيرة النبوية، فهي شاهدٌ على جانب من حكمة النبي محمد ﷺ في القيادة والسياسة الشرعية، وميدانٌ تجلت فيه معاني الرحمة، وتأليف القلوب، والعدل، كما أنها الموضع الذي أحرم منه رسول الله ﷺ لأداء العمرة بعد غزوة حنين، فخلَّدها التاريخ الإسلامي بوصفها إحدى المحطات المهمة في مسيرة الدعوة.
تقع الجعرانة على بُعد نحو خمسةٍ وعشرين كيلومتراً شمال شرقي المسجد الحرام، في صدر وادي سرف، وهي من مواضع الحل القريبة من حدود الحرم المكي. وقد اشتهرت بهذا الاسم، وقيل إن سبب التسمية يعود إلى امرأة كانت تُدعى "الجعرانة" أو "ريطة بنت سعد"، وكانت تغزل الصوف ثم تنقض غزلها، فضُرب بها المثل، وإن كانت هذه الرواية من الأقوال التي ذكرها أهل الأخبار.
وقد ارتبطت الجعرانة ارتباطاً وثيقاً بغزوة حنين التي وقعت في السنة الثامنة للهجرة، حيث انتصر المسلمون على قبيلتي هوازن وثقيف، فجمع النبي ﷺ الغنائم الكثيرة من الأموال والسبي في هذا الموضع، ولم يُبادر إلى تقسيمها مباشرة، بل أقام فيها قرابة عشر ليالٍ انتظاراً لقدوم وفد هوازن، لعلهم يعلنون إسلامهم، فيرد إليهم أبناءهم وأموالهم، في موقف يجسد رحمته ﷺ وحرصه على هداية الناس قبل النظر إلى المكاسب المادية.
ولما تأخر الوفد، بدأ النبي ﷺ في توزيع الغنائم، فأعطى نصيباً وافراً لكبار قريش وزعماء القبائل الذين دخلوا الإسلام حديثاً، تأليفاً لقلوبهم وترسيخاً لإيمانهم، وهو مبدأ قرآني أصيل يتمثل في سهم «المؤلفة قلوبهم». وقد وجد بعض الأنصار في أنفسهم من هذه القسمة، ظناً منهم أنهم حُرموا من نصيبها.
وحين بلغ ذلك رسول الله ﷺ، جمع الأنصار وخطب فيهم خطبةً من أعظم الخطب تأثيراً في التاريخ الإسلامي، ذكّرهم فيها بفضل الله عليهم، ثم قال: «أفلا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس إلى رحالهم بالشاة والبعير، وتذهبون برسول الله إلى رحالكم؟»، فبكى الأنصار حتى اخضلَّت لحاهم بالدموع، وقالوا: رضينا برسول الله قسماً وحظاً. وكانت تلك الكلمات درساً خالداً في الإيمان، والإخلاص، وتقديم صحبة رسول الله ﷺ على متاع الدنيا.
وبعد الفراغ من قسمة الغنائم، أحرم النبي ﷺ من الجعرانة لأداء العمرة في شهر ذي القعدة من السنة الثامنة للهجرة، ودخل مكة ليلاً، فطاف بالبيت العتيق، وسعى بين الصفا والمروة، وأتم نسكه، ثم عاد إلى الجعرانة، ومنها انطلق إلى المدينة المنورة، لتظل هذه العمرة من الوقائع المميزة في سيرته الشريفة.
وقد اكتسبت الجعرانة مكانةً خاصة عند المسلمين؛ إذ أصبح مسجد الجعرانة من المواضع التي يقصدها القادمون إلى مكة للإحرام بالعمرة، اقتداءً برسول الله ﷺ، ولا سيما أهل مكة ومن كان داخل حدود الحرم ويرغب في أداء عمرة جديدة، فيخرج إلى الحل ثم يُحرم منه.
إن الجعرانة ليست مجرد موضع جغرافي، بل هي مدرسة نبوية تتجلى فيها معاني القيادة الحكيمة، والرحمة، وحسن السياسة، وتأليف القلوب، والوفاء بالعهود، كما أنها شاهدٌ على إحدى المحطات المضيئة في حياة الرسول الكريم ﷺ، التي ما زالت تلهم المسلمين دروساً في الإيمان والأخلاق وحسن التعامل مع
بفضل الله سبحانه وتعالى، وبتوفيقه وكرمه، وُفِّقت للمرة الخامسة لزيارة الجعرانة، هذا الموضع المبارك الذي ارتبط بأحداث عظيمة من السيرة النبوية، كما تشرفت بزيارة مقابر شهداء حنين، واستحضرت في تلك البقاع المباركة مواقف التضحية والجهاد التي سطرها صحابة رسول الله ﷺ.
ثم أكرمني الله بالإحرام من الجعرانة لأداء العمرة، اقتداءً بسنة النبي ﷺ، وكان من أعظم النعم أن شاركتني أسرتي هذه الرحلة الإيمانية المباركة، سائلين الله تعالى أن يتقبل منا العمرة والزيارة، وأن يجعلها خالصة لوجهه الكريم، وأن يرزقنا دوام الطاعة، وحسن الاتباع، وأن يعيد علينا زيارة بيته الحرام مرات عديدة في صحة وعافية.
ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزق جميع المسلمين زيارة بيته الحرام، وأن يوفقهم لأداء العمرة والحج، وأن يجعل هذه الرحلات الإيمانية سببًا لزيادة الإيمان، وتجديد التوبة، والاقتداء بسيرة سيدنا محمد ﷺ، وأن يحشرنا في زمرته، ويجمعنا به في الفردوس الأعلى من الجنة







