ميلاد الرحمة.. ربيعٌ أضاء العالم بمحمد ﷺ

اعداد:عبد الله البلنوري الهندي
ربيع الأول.. شهرُ مولدِ خيرِ البرية ﷺ
يُعدُّ شهر ربيع الأول من أعظم الشهور وقعًا في قلوب المسلمين؛ ففيه أشرقت الدنيا بمولد سيدنا محمد ﷺ، خاتم الأنبياء والمرسلين، ورحمة الله المهداة إلى العالمين. قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]. فمولده ﷺ ليس حدثًا تاريخيًا عابرًا، بل ميلاد الرسالة الخاتمة، وبزوغ فجر الهداية، وظهور النور الذي أخرج الله به الناس من الظلمات إلى النور.
خصوصية يوم الاثنين
ومن أبرز ما يلفت النظر أن النبي ﷺ خصَّ يوم الاثنين بعبادة وشكر؛ فعندما سُئل عن صيامه قال:
«ذاك يومٌ وُلِدتُ فيه، ويومٌ بُعِثتُ أو أُنزِلَ عليَّ فيه»
رواه مسلم.
فهذا الحديث أصلٌ عظيم في بيان مشروعية إظهار شكر الله تعالى على نعمة مولده ﷺ؛ إذ قابل النبي ﷺ نعمة مولده بالصيام، وهو عبادة وقربة إلى الله تعالى.
ومن هنا يُفهم أن تذكُّر مولده ﷺ، وقراءة سيرته، والصلاة والسلام عليه، وإطعام الطعام، وإظهار الفرح بنعمته، إذا اقترن بالطاعات ولم يشتمل على محرّم، له أصل في معنى شكر الله تعالى على هذه النعمة العظيمة.
أساس الاحتفال بالمولد النبوي
ليس المقصود من المولد مجرد اجتماعٍ أو مظاهرَ شكلية، وإنما المقصود تجديد المحبة، وتعظيم النبي ﷺ، والتذكير بسيرته وشمائله، والإكثار من الصلاة والسلام عليه، وتعليم الناس هديه وأخلاقه.
وقد قال الله تعالى:
﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: 58].
وقد فسّر جماعة من أهل التفسير فضل الله ورحمته بما يشمل الإسلام والقرآن، ولا شك أن رسول الله ﷺ هو أعظم سبب لوصول رحمة الله وهدايته إلى العالمين؛ قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾.
ومن أقوى الدلالات على مشروعية الفرح بالنعم أن القرآن أثنى على فرح المؤمنين بفضل الله ورحمته، فقال سبحانه: ﴿فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾.
آيات في مدح النبي ﷺ وتعظيم مقامه
امتلأ القرآن الكريم بآيات عظيمة في بيان مكانة رسول الله ﷺ، منها:
﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4].
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107].
﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: 4].
﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56].
﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: 128].
﴿النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: 6].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: 1]، وفيها أدب المؤمن مع رسول الله ﷺ.
﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح: 9].
فـربيع الأول شهرُ تذكّر النعمة، ويوم الاثنين يومٌ تذكّر فيه النبي ﷺ مولده بنفسه، والقرآن يدعو إلى الفرح بفضل الله ورحمته، ويأمر بتوقير النبي ﷺ ومحبته والصلاة والسلام عليه. ومن ثم فإن اجتماع المسلمين على تلاوة القرآن، وذكر السيرة النبوية، والصلاة على النبي ﷺ، وإطعام الطعام، وتعليم الناس شمائله وهديه، وإظهار الفرح بنعمته، يمكن أن يكون وسيلة مباركة لتجديد الصلة برسول الله ﷺ، ما دام منضبطًا بالشرع وخاليًا من المنكرات.
والأجمل أن يكون المولد بدايةً لاختبار صدق المحبة: فالمحب الحقيقي ليس من يذكر النبي ﷺ في يوم واحد فقط، بل من يجعل سنته ﷺ منهجًا لحياته، وأخلاقه قدوةً له، والصلاة والسلام عليه وردًا دائمًا على لسانه.








