بقلم:فاضل الثقافي جامعة مركز الحمد لله الذي أكرم الوجود بميلاد خير الأنام، وأضاء بنور النبوة ظلمات الأيام، وأرسل إلى العالمين سيدنا ومولانا محمدًا ﷺ رحمةً وهدايةً، وبشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا. والصلاة والسلام على سيدنا محمد، سيد الأولين والآخرين، وخاتم الأنبياء والمرسلين، وحبيب رب العالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين. ما أكرمها من ذكرى، وما أعظمها من مناسبة، وما أجلّها من صفحة في تاريخ الإنسانية! إنها ذكرى مولد سيدنا وحبيبنا محمد رسول الله ﷺ؛ المولد الذي أشرق بنوره وجه الزمان، واستبشرت به الأرض والسماء، وتفتحت به أبواب الرحمة والهداية، وبدأت به للبشرية مرحلة جديدة من النور والإيمان. إن الحديث عن مولده ﷺ حديث عن أعظم نعمة أنعم الله بها على العالمين؛ فإن الله تعالى لم يبعثه لقوم دون قوم، ولا لجيل دون جيل، بل بعثه رحمةً للعالمين، وهدايةً للناس أجمعين، فقال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾. فكان ﷺ رحمةً في رسالته، ورحمةً في أخلاقه، ورحمةً في معاملاته، ورحمةً في دعوته، ورحمةً في تعليمه وتربيته، ورحمةً في كل موقف من مواقف حياته المباركة. جاء ﷺ إلى عالمٍ أرهقته الجاهلية، وأثقلته العصبية، واستعبدته الأوهام والخرافات، واضطربت فيه موازين الحق والباطل، فرفع راية التوحيد، وأقام ميزان العدل، وأحيا مكارم الأخلاق، وصان كرامة الإنسان، وربط القلوب بخالقها، وفتح أمام البشرية أبواب الهداية والنجاة. لقد كان مولده ﷺ إيذانًا بفجر جديد؛ فبعد ظلمات الشرك أشرق نور التوحيد، وبعد قسوة الجاهلية أشرقت أنوار الرحمة، وبعد اضطراب القيم استقام ميزان الأخلاق، وبعد ضياع الإنسان عرف الإنسان ربه، وعرف غايته، وعرف سبيله. قال الله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾. وكان من أعظم ما تميزت به شخصيته ﷺ كمال الخُلُق وجمال السيرة. فقد جمع الله له من محاسن الصفات ما جعله أكمل الناس خَلْقًا وخُلُقًا، وأعظمهم حلمًا ورحمةً، وأصدقهم حديثًا، وأوفاهم عهدًا، وأكرمهم نفسًا. قال الله تعالى مخاطبًا نبيه ﷺ: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾. فكان ﷺ قرآنًا يمشي بين الناس بأخلاقه، وترجمةً حيّةً لمعاني الرحمة والعفو والكرم والتواضع والصدق والأمانة. كان إذا قدر عفا، وإذا أُسيء إليه صفح، وإذا جهل عليه الجاهل حلم، وإذا أُعطي شكر، وإذا ابتُلي صبر، وإذا نُصر تواضع، وإذا فتح الله عليه لم تأخذه نشوة القوة عن الرحمة والعدل. وكان ﷺ قريبًا من الضعفاء، رحيمًا بالفقراء، مشفقًا على اليتامى، محسنًا إلى الأرامل والمساكين، يواسي الحزين، ويعود المريض، ويشهد الجنائز، ويجيب دعوة الداعي، ويجلس مع أصحابه كأنه واحد منهم، لا يتميز عليهم في مجلسه بمظهر من مظاهر الكِبْر أو الترف. وكانت رحمته بالأمة من أعجب صفحات سيرته وأشدها تأثيرًا في القلوب. كان يحمل همَّ هدايتها، ويحرص على نجاتها، ويخشى عليها من أسباب الهلاك، حتى وصفه الله تعالى بقوله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. وما أبلغ قوله تعالى: ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾! فقد كان ﷺ حريصًا على أمته في حياتها، حريصًا على هدايتها، حريصًا على صلاحها، حريصًا على نجاتها في الدنيا والآخرة. وكان ﷺ شديد التواضع مع علو قدره ورفعة منزلته. يجلس حيث ينتهي به المجلس، ويخدم أهله، ويخصف نعله، ويرقع ثوبه، ويأكل مما يأكل الناس، ولا يجد في ذلك غضاضةً ولا نقصًا؛ لأن عظمته ﷺ لم تكن عظمة مظهر، وإنما كانت عظمة روح، وعظمة رسالة، وعظمة أخلاق. وكان ﷺ في بيته مثال الزوج الرحيم، وفي مجتمعه مثال القائد العادل، وفي المسجد مثال العابد الخاشع، وفي مواقف التعليم مثال المعلم الحكيم، وفي مواقف الشدائد مثال الصابر الثابت، وفي ساعات النصر مثال المتواضع الشاكر. وكانت شمائله ﷺ تملأ القلوب مهابةً ومحبةً؛ فما رآه أحد إلا انجذب قلبه إليه، وما عاشره أحد إلا ازداد به معرفةً ومحبةً. اجتمع في طلعته جمال الظاهر وجلال الباطن، وفي كلامه صدق النبوة، وفي سكوته الحكمة، وفي ابتسامته الرحمة، وفي معاملته كمال الأدب. وما أعظم ما قاله الله تعالى في وصفه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾. فكان كلامه هدايةً، وسكوته حكمةً، وفعله سنةً، وتقريره تشريعًا، وحياته كلها مدرسةً للأمة. وإذا كان مولده ﷺ ذكرى عظيمة في قلوب المؤمنين، فإن أعظم ما ينبغي أن نستقبله به هو تجديد العهد بالمحبة والاتباع، والإكثار من الصلاة والسلام عليه، ودراسة سيرته، والتأسي بأخلاقه، وتربية الأجيال على محبته وتعظيمه. فإن المحبة الصادقة ليست دعوى باللسان، وإنما هي أثر يظهر في الحياة. ومن أحب رسول الله ﷺ أحب سنته، وأحب أخلاقه، وأحب هديه، وأحب ما دعا إليه، وسعى في أن تكون حياته صورةً من صور الاقتداء به. قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾. فيا ليتنا نستقبل ذكرى مولده ﷺ بقلوب تعرف قدره، ونفوس تتخلق بأخلاقه، وبيوت تحيا بسنته، وأجيال تنشأ على محبته، ومجتمعات يظهر فيها أثر رحمته وعدله وصدقه وأمانته. إن العالم اليوم، مع تقدمه المادي الهائل، لا يزال في حاجة شديدة إلى نور النبوة؛ في حاجة إلى الرحمة حين تقسو القلوب، وإلى العدل حين تنتشر المظالم، وإلى الصدق حين تكثر الأكاذيب، وإلى الأمانة حين تضطرب القيم، وإلى العفو حين يستحكم الانتقام، وإلى التواضع حين يستفحل الكِبْر، وإلى الأخوة حين تتسع دوائر الفرقة. وما أحوج الأمة الإسلامية خاصةً إلى أن تعود إلى السيرة النبوية، لا لتقرأها في الكتب فحسب، بل لتجعلها منهجًا للحياة، ولتستخرج منها معالم التربية والإصلاح، ولتعيد إلى بيوتها أخلاق المصطفى ﷺ، وإلى مدارسها منهج التربية المحمدية، وإلى مجتمعاتها روح الأخوة والرحمة. إن مولد النبي ﷺ يذكّرنا بأن الله تعالى أكرم هذه الأمة بأعظم نبي، وأشرفها بأكمل رسالة، وأنعم عليها بأعظم كتاب، وفتح لها أبوابًا واسعة من الرحمة والهداية. فطوبى لقلبٍ امتلأ بمحبة محمد ﷺ، وطوبى للسانٍ أكثر من الصلاة والسلام عليه، وطوبى لجوارحَ اقتدت بهديه، وطوبى لبيتٍ تُتلى فيه سيرته، ويُعلَّم فيه أبناؤه شمائله، وتُحيا فيه سنته. يا ربيع الأنوار، مرحبًا بك! يا شهر المولد الشريف، مرحبًا بك! يا شهر الذكر والصلاة والسلام، مرحبًا بك! مرحبًا بذكرى مولد من أشرقت به الدنيا، واستنارت به القلوب، واهتدت به الأمم، وبلغت به الرسالة تمامها، وأتم الله به نعمته على المؤمنين. وُلِدَ الهُدَى فَالكَائِنَاتُ ضِيَاءُ وَفَمُ الزَّمَانِ تَبَسُّمٌ وَثَنَاءُ سلامٌ على يومٍ أشرق فيه نور المصطفى ﷺ، وسلامٌ على مكة التي احتضنت مولده، وسلامٌ على المدينة التي احتضنت هجرته ودعوته، وسلامٌ على كل قلبٍ عرف قدره فأحبّه، وسلامٌ على كل لسانٍ صلى عليه، وسلامٌ على كل نفسٍ اقتدت بهديه وسنته. اللهم ارزقنا صدق محبة حبيبك المصطفى ﷺ، وحسن الأدب معه، وكمال اتباعه، والثبات على سنته، واحشرنا تحت لوائه، واسقنا من حوضه الشريف شربةً هنيئةً لا نظمأ بعدها أبدًا، واجعلنا من أهل شفاعته، ومن أهل سنته، ومن رفقائه في الجنة. اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا ومولانا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، عدد ما ذكره الذاكرون، وغفل عن ذكره الغافلون، وعدد ما تعاقب الليل والنهار.
وُلِدَ الهُدَى فَالكَائِنَاتُ ضِيَاءُ مولد النبي ﷺ... ذكرى الرحمة والهداية والنور









