أصحاب القلوب التي نالت نظر الخالق

بقلم:عبدالله البلنوري الهندي
إن العارفين بالله والأولياء هم أصحاب القلوب التي نالت نظر الخالق ورعايته. فهم قومٌ تخلَّوا عن كل ما يشغلهم عن الله، وجعلوا رضا خالقهم غايتهم الوحيدة، فنظَّموا عباداتهم، وأعمالهم الصالحة، وأقوالهم، وحياتهم كلها على وفق مرضاته، وأبعدوا عن أنفسهم كل ما لا يرضيه ظاهرًا وباطنًا، حتى بلغوا مقام المعرفة بالله.
وهؤلاء إذا خطرت في قلوبهم فكرة، أو نطقوا بكلمة، أو نظروا بعين، أو بطشت أيديهم بعمل، أو خطت أقدامهم إلى مقصد، أو ارتسمت على وجوههم ابتسامة، فإن لذلك كله أثرًا عجيبًا في النفوس؛ إذ تفيض من أرواحهم أنوار الإيمان، وتنبعث من أحوالهم معاني الصدق والإخلاص، فيتأثر بهم من جالسهم، ويقترب ببركتهم من ربه.
ولهذا أرشدنا القرآن الكريم إلى ملازمة أهل الذكر والصلاح، فقال تعالى:
﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف: 28].
فهذه الآية الكريمة تدل دلالة واضحة على أن صحبة الصالحين والعارفين بالله من أعظم الأسباب التي تُقرب العبد إلى خالقه، وتُزكي نفسه، وتُحيي قلبه.
إن هؤلاء هم الذين ينبغي أن نحرص على صداقتهم ومجالستهم؛ فهم لا يعيشون للدنيا، ولا تجعلهم المطامع المادية أسرى لها، وإنما أفنوا أعمارهم في طاعة الله، حتى أصبحت أقوالهم وأفعالهم، وقلوبهم وأجسادهم، وحياتهم كلها لله وحده، كما جاء في دعاء الاستفتاح في الصلاة: «إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين».
ولذلك بقيت آثارهم خالدة عبر القرون؛ فما زالت كتب الإمام عبد القادر الجيلاني، والإمام الجنيد البغدادي، والإمام أبي حامد الغزالي، والإمام الشعراني، وغيرهم من أئمة السلوك والتزكية، مناراتٍ تهدي الملايين إلى طريق الله، وتغرس في القلوب معاني الإيمان والمحبة والإخلاص.
وفي زمن كثرت فيه الخصومات، وضجَّت وسائل التواصل الاجتماعي بالجدال العقيم، والسخرية، والتراشق بالألفاظ، وإثارة الأحقاد، أصبح من الواجب أن نُعرض عن هذه المهاترات، وأن نُقبل على ما يُصلح قلوبنا، ويزيد صلتنا بالله تعالى. فصلاح القلب هو أساس صلاح الإنسان، وصحبة الصالحين من أعظم أبواب هذا الصلاح.
فلنغتنم ما بقي من أعمارنا، ولنجعل همَّنا تزكية نفوسنا، ومرافقة أهل الإيمان واليقين، عسى أن نفوز برضا الله تعالى في الدنيا، وننال السعادة الأبدية في الآخرة.
نسأل الله تعالى أن يرزقنا صحبة أوليائه الصالحين، وأن يثبت قلوبنا على طاعته، ويجعلنا من أهل معرفته ومحبته، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
#صوت الهند







