الحمد لله رب العالمين: تأملات في دلالات الربوبية ورعاية الوجود

عبد الله الثقافي البلنوري الهندي

تفتتح فاتحة الكتاب وأول آياتها بتقرير عظيم تتجلى فيه حقيقة الوجود والغاية منه، وذلك في قول الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. تتضمن هذه الآية الكريمة بيانًا جليًا بأن الحمد كله واستحقاقه المطلق إنما هو لله وحده، رب جميع العوالم، الذي يتولى تربية سائر المخلوقات ورعايتها وحفظها. وتأتي دلالة كلمة «الرب» في لسان العرب ومقاصد الشريعة لتعبر عن القائم على تنشئة الشيء وتنميته طورًا بعد طور، ومرحلةً تلو مرحلة، مفيضًا عليه من العناية السابغة والرعاية التامة ما يفتقر إليه في كل آنٍ من مراحل وجوده ونمائه.
وانطلاقًا من هذا المدلول العميق، يدرك المتأمل أن الله سبحانه وتعالى هو المتفرد برعاية هذه الكائنات التي يعجز العقل البشري عن حصر أعدادها وأجناسها؛ إذ يفيض عليها بالماء والغذاء، ويسبغ عليها سائر مقومات البقاء وأسباب الحياة. ويقف الإنسان حائرًا عاجزًا عن الإحاطة بدقائق وتفاصيل هذه الرعاية الإلهية الواسعة، فضلاً عن أن يملك القدرة على الإحاطة بها وصفًا وبيانًا.
ولعل من أقرب الشواهد وأظهرها لتجلي هذا المعنى ما يشهده الإنسان في مأكله ومشربه الذي يتناوله على مدار وقته، وفي صنوف الأغذية التي تدخل جوفه؛ ففي هذه الأطعمة تتوزع الفيتامينات، وتتنوع العناصر الغذائية والمواد الضرورية التي يفتقر إليها قوام الجسد، ثم ينهض التدبير الإلهي بإيصال كل عنصر بدقة متناهية إلى موضعه المخصص، وفي ميقاته المقدر له بلا تقديم ولا تأخير. فهذا قدرٌ يساق إلى الشعر ليبقى على لونه ونضارته، وهذا نصيبٌ ينساب في الدم ليحفظه في مستواه وطبيعته، وذاك قبسٌ تتغذى عليه البشرة، ومثله ما تتطلبه الأعصاب، والنخاع، وخلايا الذاكرة، والقلب، والكليتان، والعضلات، والعظام، والعينان، والدماغ، وكافة أعضاء البدن دون استثناء. كل جزء من هذه الأجزاء يتطلب مقادير وعناصر مخصوصة، يستخلصها اللطيف الخبير من ذلك الطعام المتناول، ويسوقها إلى كل مفصل وعضو في أوانها المناسب، من غير تأخير يطرأ، ولا إهمال يقع.
وحريٌّ بذي اللب أن يقف متدبرًا في هذا المشهد العظيم: لو افترضنا جدلًا أن هذه العمليات الحيوية المعقدة تعطلت في الجسد يومًا واحدًا، أو انقطعت الاستفادة من تلك العناصر الدقيقة التي يقتات عليها البدن، ثم خوطب الإنسان بأن إصلاح هذا الخلل سيبدأ في الأسبوع القابل؛ فما عساه أن يحل به؟ سيبدأ الشعر فورًا في التغير والتساقط، ويختل تركيب الدم وتوازنه، وتتداعى وظائف العظام والعضلات، وتكلّ العينان، ويضطرب الدماغ، وتعتل سائر الأعضاء، حتى يرتهن الكيان كله بالضعف والاضطراب والانهيار.
غير أن الله سبحانه وتعالى لا يدع خلقه طرفة عين ولا يتركهم لحظة واحدة؛ بل يتعهدهم بالمدد المتصل، فيسوق إلى كل خلية وعضو وجزء حاجته في أوانه المقدر له، وهنا تمامًا يتجلى جوهر كونه «رب العالمين». ولو قُدّر أن يوقف الخالق جل وعلا هذا المدد، فمن ذا الذي يملك زمام إعادته واستمراره؟ ومن في هذا الملكوت بأسره يحوز القدرة أو يملك الأهلية ليقوم مقامه سبحانه في تنشئة هذه المخلوقات وتدبير شؤونها ورعايتها؟
إن الإنسان المعاصر، رغم بلوغه مدارج رفيعة في مراقي العلم وميادين التقدم، لم يتوصل بعد إلى حصر واستيعاب كافة العناصر التي يتطلبها جسده لصيانة صحته المادية وعافيته البدنية، ناهيك عن أن يحيط علمًا بما تفتقر إليه روحه من أسباب الصحة والهداية والصلاح. وإذا كان العجز سمته في خاصّة نفسه، فكيف يُعقل أن يقوى على القيام مقام رب العالمين ومدبّر الكون أجمعين؟ وهنا تسطع في الأفق عظمة هذا التنزيل وجلال هذا التوحيد في قول الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ







